تخيّل عالماً يتمتع فيه كل طفل بفرصة للنمو والازدهار بصحة جيدة، وتغذية سليمة، واستعداد للتعلم منذ البداية. هذه هي وعود تنمية الطفولة المبكرة (ECD): حل فعّال من حيث التكلفة، وقادر على مواجهة أعظم التحديات العالمية، من الفقر وعدم المساواة إلى تدهور الصحة والتعرض للمناخ المتغيّر. ومع ذلك، يُترك ملايين الأطفال دون الدعم الذي يحتاجونه خلال أكثر مراحل حياتهم أهمية. والنتيجة؟ فرص ضائعة مدى الحياة في الصحة والتعليم والرفاه، وترسيخ أوجه التفاوت التي يمكننا، بل يجب علينا، التصدي لها من الجذور.
قبل عقد من الزمن، كانت تنمية الطفولة المبكرة محطّ اهتمام عالمي كبير في السياسات والعمل الخيري. فقد سلطت الحملات الضوء على الألف يوم الأولى من حياة الطفل، فيما ساهمت مبادرات مثل سلسلة لانسيت وإعلان دبي في دفع الزخم العالمي إلى الأمام، وأكد إعلان طشقند في عام 2022 من جديد التزام العالم تجاه الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة.
لكنّ محدودية التمويل وغياب خطط العمل على نطاق واسع حالا دون تحقيق تلك الطموحات. ففي عام 2022، لا يزال أكثر من نصف أطفال العالم الصغار محرومين من خدمات الرعاية والتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة (البنك الدولي، 2021). وتُخصّص 1.4% فقط من المساعدات التعليمية العالمية للتعليم ما قبل الابتدائي — وهي نسبة ضئيلة مقارنةً بالهدف المنشود البالغ 10% (ذار وورلد، 2024). ويحمل هذا النقص المزمن في الاستثمار آثارًا عميقة وطويلة الأمد، إذ لا يقتصر إهمال هذه المرحلة على تقويض قدرات الأطفال، بل يُضعف رأس المال البشري، ويهدد الاستقرار الاقتصادي، ويؤخر التقدم على مستوى المجتمعات (منظمة الصحة العالمية، 2013؛ البنك الدولي، 2024).
لماذا يتم تجاهل الصغار في الأجندات العالمية؟
لطالما كان العمل الخيري محرّكًا للتقدم، يسد الثغرات التي تعجز الحكومات والأسواق عن سدّها، خاصة في الدول النامية. ولكن بطبيعته، يميل إلى مواكبة الأزمات الآنية — مثل تغيّر المناخ أو التعافي من الجوائح. ورغم أهمية هذه القضايا، إلا أن هذا النهج التفاعلي يؤدي إلى تهميش الاستثمارات البنيوية وطويلة الأمد، مثل تنمية الطفولة المبكرة، رغم كونها استراتيجية تحوّلية مثبتة علميًا.
لكنّ العمل الخيري ليس وحده المسؤول. نحن كبشر غالبًا ما نقع في "انحياز الحاضر" — الميل لتفضيل المكاسب السريعة على الحلول بعيدة المدى. إن تجاهل تنمية الطفولة المبكرة لا يعود لغياب الأدلة، بل لأن أعظم آثارها تتطلب وقتًا لتتجلى. كما أن السياسات الوطنية فشلت في دمجها ضمن أولوياتها الأوسع. فعلى الرغم من أن الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة يركّز صراحة على هذه المرحلة، إلا أن السياسات التعليمية غالبًا ما تركّز على التعليم الأساسي والثانوي، متجاهلة السنوات الأولى التي تشكّل أساسًا لكل ما يأتي بعدها — كما لو أننا نبني منزلاً دون أساس متين.
تنمية الطفولة المبكرة كأداة لمواجهة التحديات العالمية
رغم قدراتها التحوّلية، لا تزال تنمية الطفولة المبكرة تُختزل غالبًا في إطار التعليم المبكر فقط، ما يغفل دورها الأوسع في التصدي للفقر، والصراعات، وتغيّر المناخ، وعدم المساواة. فالنهج الشامل لتنمية الطفولة المبكرة يجمع بين الصحة، والتغذية، والتعلّم، والرعاية — في منظومة متكاملة تعزّز تماسك الأسرة، وتدعم المجتمعات، وتُزوّد الأطفال بالمهارات التي يحتاجونها للحياة. فكّر فيها كجذور شجرة؛ دون جذور قوية، لا يمكن لفروع التعليم والصحة والقدرة على التكيّف أن تزدهر. عند النظر إليها بهذا المنظور، تظهر تنمية الطفولة المبكرة كاستراتيجية شاملة لبناء عالم أكثر عدلاً واستدامة، وليس مجرد خدمة للأطفال.
خذ تغيّر المناخ كمثال. غالبًا ما تركّز الاستجابات التعليمية المناخية على إجراءات سريعة ومرئية — مثل تركيب الألواح الشمسية أو توزيع صناديق إعادة التدوير أو تنظيم دروس بيئية أو حملات لزراعة الأشجار. ورغم أهميتها، تبقى حلولاً سطحية. أما تنمية الطفولة المبكرة، فهي استراتيجية استباقية تعالج الجذور العميقة. فدعم الأسر يعزّز من قدرة المجتمعات على التكيّف، والتدخلات الصحية والتغذوية تعزّز قدرات الأطفال الجسدية والعقلية، بينما تطوّر المهارات الاجتماعية والعاطفية قدراتهم على التعاون والمرونة — وهي مهارات لا غنى عنها في عالم مليء بالتقلبات. بهذا المعنى، تنمية الطفولة المبكرة ليست فقط تعليمًا مبكرًا، بل شكل من أشكال العمل المناخي يبدأ من الجذور.
حلول قابلة للتنفيذ، لا مجرد أفكار نظرية
هذه ليست رؤى نظرية. تنمية الطفولة المبكرة حلول مجرّبة، فعّالة، وقابلة للتوسع. يمكن دمجها في الأنظمة القائمة — كزيارات الرعاية الصحية المنزلية — دون تكاليف إضافية كبيرة. ويمكن تنفيذها في البيئات غير الرسمية عبر أدوات مثل ورش عمل الآباء، أو المنصات الرقمية، أو مبادرات المجتمع، للوصول إلى الأطفال المهمّشين، حتى أولئك المتأثرين بالأزمات. حتى تدخلات بسيطة، مثل دعم أولياء الأمور، يمكن أن تترك أثراً كبيراً. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب سياسات داعمة وتمويلاً طويل الأمد.
دعوة للعمل
الأطفال هم الأكثر ضعفًا أمام الأزمات العالمية، ومع ذلك فإن الخدمات الداعمة لتنميتهم المبكرة إما غائبة، أو مجزأة، أو تعاني من نقص حاد في التمويل. هذا التناقض صارخ، خاصة وأن تنمية الطفولة المبكرة تُعد من أكثر الاستثمارات دراسةً وتأثيرًا وفعالية من حيث التكلفة. لدى المانحين وواضعي السياسات الآن فرصة حاسمة — رفع تنمية الطفولة المبكرة من الهامش إلى صميم الحلول العالمية، والاعتراف بها كأداة رئيسية لمواجهة التحديات الملحّة من عدم المساواة إلى سوء الصحة وتغير المناخ. بناء مستقبل مستدام يبدأ من أصغر الأجيال، ومعالجة التحديات من الجذور تضع الأساس لعالم أكثر عدلاً واستقرارًا للأجيال القادمة.