الابتكار هو المحرك الذي يدفع عجلة التقدم، ويعيد تشكيل باستمرار طرق التعلّم والتدريس وحل التحديات العالمية. بدون الابتكار، تواجه العملية التعليمية خطر الركود، حيث ستكون غير قادرة على التطور لمواكبة تطلعات المتعلمين أو متطلبات عالم يزداد ترابطاً. فالابتكار ليس مجرد تحسين في التعليم، بل هو شريان حياته – القوة التي تضمن بقاء التعليم أداة تحولية للأفراد والمجتمعات عبر الأجيال. وينطبق المبدأ ذاته على العمل الإنساني بالنسبة للمؤسسات التي تسعى إلى التصدي للتحديات العالمية المعقدة، إذ لا يُعد الابتكار خيار بل ضرورة. وتجسد دبي العطاء هذا النهج، حيث تتبنى باستمرار أساليب مبتكرة لدفع التغيير المنهجي في التعليم على مستوى العالم.
منذ تأسيسها، أظهرت دبي العطاء جرأة في اتخاذ المخاطر المحسوبة وريادة حلول جديدة في مجال التعليم. كانت أول جهة مانحة تتصدى للأمراض المدارية المهملة في أنغولا من خلال صندوق ذي أند فند، مما حفّز استثمارات إضافية لدعم هذه القضية. كما لعبت دوراً ريادياً في دعم صندوق "التعليم لا ينتظر" المخصص لتعليم الأطفال في الأزمات، وكانت من بين الجهات المانحة لـ "تحالف الوجبات المدرسية" تحت مظلة برنامج الأغذية العالمي، والذي يسعى لضمان حصول كل طفل على وجبة مغذية في المدرسة بحلول عام 2030. كما كانت دبي العطاء أول مؤسسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستثمر في سند الأثر التنموي – "سند أثر المهارات" – مما يسلط الضوء على قوة التمويل القائم على النتائج في تحقيق مخرجات تعليمية قابلة للقياس. ويتجاوز هذا الابتكار حدود التعليم، حيث يهدف إلى تزويد الشباب بالمهارات اللازمة للحصول على وظائف مستقرة والنجاح في سوق العمل، مما يضمن تمكيناً اقتصادياً مستداماً على المدى الطويل.
"سند أثر المهارات": نموذج للتمويل القائم على النتائج
"سند أثر المهارات" في الهند، الذي يقوده الصندوق البريطاني الآسيوي هو مبادرة مبتكرة للتمويل القائم على النتائج، يهدف إلى تزويد أكثر من 50,000 شاب وشابة في الهند بالمهارات اللازمة للحصول على وظائف هامة. تجمع هذه المبادرة بين مجموعة متنوعة من الأطراف الفاعلة ذات الخبرة، حيث تعمل مؤسسة مايكل وسوزان ديل والمؤسسة الوطنية لتنمية المهارات (NSDC) كمستثمرين يتحملون المخاطر، بينما تساهم كل من دبي العطاء، ومؤسسة استثمارات الأطفال (CIFF) ، ومؤسسة جي أس دبليو، وبنك أتش أس بي سي الهند كجهات ممولة تعتمد على النتائج. كما توفر كل من وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية (المملكة المتحدة) والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية الخبرات التقنية، مما يضمن شراكة قوية وشاملة تعالج التحديات المرتبطة بتأهيل الشباب لسوق العمل.
عندما انطلق البرنامج في عام 2021 – وهو نفس العام الذي انضممت فيه إلى دبي العطاء – أتيحت لي الفرصة لأكون جزءاً من هذه المبادرة منذ بدايتها. لقد كان من أمراً ملهماً ومفيداً في آنٍ واحد أن أشهد عن كثب كيف تم تبني الابتكار وتطبيقه في التمويل القائم على النتائج. ومع كل هذا، لم تكن المسيرة خالية من التحديات.
التحديات والدروس المستفادة
تطلبت هيكلة "سند أثر المهارات" مفاوضات قانونية مكثفة، وتنسيقاً بين مجموعة متنوعة من الأطراف الفاعلة، وتطوير أطر رقابية صارمة. كان على دبي العطاء التنقل في بيئة قانونية ومالية معقدة، مع بناء خبرات داخلية لإدارة تعقيدات التمويل القائم على النتائج. وعلى عكس المنح التقليدية، لا يخصص التمويل القائم على النتائج مبلغاً ثابتاً لأنشطة محددة مسبقاً، بل يتم ربط التمويل بمخرجات قابلة للقياس، مثل شهادات التأهيل، والتوظيف، ومعدلات الاحتفاظ بالوظائف، حيث شكّل هذا التحول منحنى تعليمياً كبيراً، لكنه مثّل أيضاً فرصة لإعادة تعريف تأثير العمل الإنساني وتعزيز فاعليته.
على الرغم من هذه التحديات، أثبت "سند أثر المهارات" أنه تجربة ذات قيمة كبيرة. فمن خلال ربط الاستثمار المالي بالنتائج القابلة للقياس، يضمن أن التمويل يسهم في تحقيق تغيير حقيقي ومستدام. ويمثل هذا النموذج القائم على الأداء تحولاً جذرياً في العمل الإنساني، حيث يقدم نموذجاً يُحتذى به لتحقيق تأثير طويل الأمد في قطاع التعليم.
تفكير جديد في العمل الإنساني
إلى جانب تأثيرها المباشر، عمّقت هذه المبادرة فهمنا للتمويل القائم على النتائج وأبرزت قوة التجربة والابتكار في العمل الإنساني. كما أعادت تشكيل علاقتنا مع المانحين.
اليوم، يتبنى المتبرعون المستقبليون - سواء كانوا أفراداً أو شركات أو مؤسسات - نهجاً استراتيجياً في العمل الإنساني يماثل الأسلوب الذي يتبعونه في استثماراتهم المالية. فهم يبحثون عن مشاريع تضمن تحقيق أقصى تأثير لمساهماتهم، بحيث لا يُقاس الأثر فقط بعدد الأشخاص التي تحسنت حياتهم، بل أيضاً بمدى تعزيز النظم وتحقيق فوائد أوسع للمجتمع. لقد نجحت دبي العطاء من خلال "سند أثر المهارات" في تلبية هذه التوقعات بفعالية، مما عزز الثقة والمصداقية بين قاعدة المتبرعين لديها.
توسيع الابتكار لتحقيق تأثير عالمي
تمتد الآثار المتسلسلة لـ "سند أثر المهارات" إلى ما هو أبعد من حدود الهند.
من خلال دعم هذا النموذج المبتكر للتمويل، مهدت دبي العطاء الطريق لحوار عالمي حول إمكانيات التمويل القائم على النتائج لمعالجة التحديات التعليمية الملحة. وقد ساعدت منصات مثل قمة ريوايرد في تعزيز هذا الحوار، مما يبرز الحاجة إلى ابتكار جريء ونظامي في العمل الإنساني. علاوة على ذلك، فإن الرؤى المستخلصة من هذه التجربة تشكل استراتيجية دبي العطاء الأوسع، مما يجهز المؤسسة لتكرار وتوسيع نماذج مماثلة في مناطق أخرى.
مع مواجهة قطاع التعليم العالمي فجوات تمويل غير مسبوقة، أصبحت الحاجة إلى حلول تمويل مبتكرة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لقد أظهرت دبي العطاء أن العمل الإنساني يمكن أن يتجاوز تقديم المنح التقليدية لتحقيق تغيير مستدام ونظامي. كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مؤسس دبي العطاء، بحكمة: "الفرص تُصنع، ولا تظل مجرد موجودة في انتظار من يلتقطها." تعكس هذه المقولة روح عملنا - حيث نحث المؤسسات الإنسانية في جميع أنحاء العالم على تبني الابتكار، وتحمل المخاطر المحسوبة، وقيادة الطريق في تحويل التعليم من خلال آليات تمويل جديدة.
الانطلاق في مسيرة التمويل القائم على النتائج يتطلب تحولاً أساسياً في التفكير. وعلى الرغم من تعقيداته - إلا أن تجربتنا قد أظهرت أن المكاسب تفوق المخاطر بكثير. من خلال استغلال الابتكار، يمكن للعمل الإنساني إعادة تعريف ما هو ممكن في التعليم، مما يضمن أن كل دولار يُستثمر يحدث تغييراً دائماً ومفيداً في حياة الأفراد الذين هم بأمس الحاجة إليه. معاً، لدينا القدرة على رسم عصر جديد للتعليم العالمي - عصر قائم على المساءلة، والأثر، والالتزام الثابت بالتقدم.