مع تصاعد العنف والنزوح الجماعي الذي يؤثر على أكثر من 1.5 مليون شخص في لبنان، أصبحت المساعدات العاجلة ضرورية لتلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة. ومع ذلك، فإن تعمّق الأزمة في جميع أنحاء المنطقة يكشف عن فجوة مقلقة بين الإغاثة الطارئة والتنمية المستدامة طويلة الأمد. فعلى الرغم من أن المساعدات المادية تشكّل شريان حياة حيوياً، إلا أنها قد تُثقل كاهل الاقتصاد اللبناني الهش، الذي يعاني أصلاً من سنوات من الانهيار المالي وعدم الاستقرار السياسي، إذا لم تُقترن بدعم منهجي ومستدام.
منذ عام 2019، شهد الاقتصاد اللبناني انكماشاً حاداً، حيث فقد ما يقارب 28% من ناتجه المحلي الإجمالي. وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن استمرار الأعمال العدائية قد يؤدي إلى انخفاض إضافي بنسبة 9.2% بحلول نهاية العام، مما يزيد من الضغط على الخدمات العامة، وفرص العمل، واستقرار البلاد بشكل عام.
وعلى الرغم من حسن النوايا، فإن تدفّق المساعدات الإنسانية قد يُضعف الأعمال المحلية الصغيرة والعائلية، ويحوّل المجتمعات من الاعتماد على الذات إلى التبعية. إذ إن مؤسسات محورية تديرها العائلات، مثل "الدكّانة" أو "الفرن" في الأحياء، والتي تشكّل مصدر دخل أساسي للأسر، قد تواجه خطر الإغلاق، مما يهدد المجتمعات بالركود والاعتماد الطويل الأمد على المساعدات.
الواقع المؤسف هو أنه لا يمكن لأي جهة أن تستعد لكل طارئ أو تتنبأ بكل أزمة بدقة، لكن من خلال إعطاء الأولوية لتحقيق تناغم أفضل بين الأهداف الإنسانية والتنموية، يمكننا بناء استجابة لا تُلحِق الضرر، ولو عن غير قصد، بمن نسعى إلى مساعدتهم.
تنعكس هذه الهشاشة الاقتصادية في مجال حيوي آخر غالباً ما يتم تهميشه خلال الأزمات ألا وهو التعليم. في الواقع، قد لا يوجد مجال آخر يظهر فيه التباين بين الإغاثة العاجلةوتعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل بشكل أكثر تدميراً مما هو عليه في التعليم. ففي معظم الاستجابات الإنسانية، يُنظر إلى التعليم كأولوية ثانوية بعد تأمين الغذاء والمأوى. إلا أن هذا التأخير لا يُعد مجرد قصر نظر؛ بل يمكن أن يكون مدمراً. في السودان، أدى الصراع المستمر إلى انقطاع التعليم عن 19 مليون طفل (اليونيسف)، مما خلق ما يُعرف بـ "جيل ضائع"، يفتقر للمهارات والمعرفة الضرورية للتعافي، مما يكرس الفقر ويطيل أمد عدم الاستقرار. وبدون قوة عاملة متعلمة، تصبح قدرة أي بلد على إعادة البناء والازدهار ضعيفة في جوهرها، مما يجعله معتمداً على المساعدات الخارجية لأجيال قادمة.
حتى عندما يتم التعامل مع التعليم في جهود الاستجابة الإنسانية، غالباً ما تركز برامج التعليم الطارئة على النتائج الفورية مثل بناء الفصول الدراسية المؤقتة أو توزيع المواد التعليمية، دون دمجها في جهود التعافي الأوسع. لكي يساهم التعليم بشكل مفيد في التعافي، يجب أن يتماشى مع الواقع المحلي، ويعزز القدرات بين المعلمين، ويدعم التعلم العملي للأطفال والشباب. من خلال تهميش التعليم أو تنفيذ برامج ضيقة الأفق، نحن لا نؤخر التعافي فقط؛ بل نحن نسرق من المجتمعات الأساس الذي تحتاجه لإعادة البناء. يجب أن يُعتبر التعليم ركيزة أساسية للتعافي الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.
إذا كنا نريد للمساعدات أن تسهم في تعزيز المجتمعات بدلاً من خلق تبعيات طويلة الأمد، فعلينا أن نطرح أسئلة أكثر صعوبة. هل نقوم بتعزيز الاعتماد على الغير من خلال إغراق الأسواق المحلية بالسلع؟ هل نُضعف، عن غير قصد، قطاعات حيوية مثل التعليم في عجلتنا لتقديم الإغاثة الفورية؟ وهل نخطط لحلول تُجسر الفجوة بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستدامة التنموية؟
هذا لا يعني أن المساعدات الإنسانية ضارة، فهي في الواقع تنقذ الأرواح. ولكن يجب أن تتجاوز معالجة الأعراض العاجلة إلى تعزيز المرونة. فعلى سبيل المثال، ماذا لو كانت سلال الطعام في حالات الطوارئ تأتي من مزارعين محليين، أو كانت البطانيات تُصنّع في مصانع قريبة؟ هذا ما حدث بالفعل في استجابة دبي العطاء الطارئة في غزة، حيث تم شراء المنتجات الطازجة محلياً، مما قدم الدعم للمزارعين خلال فترة النزاع. وتدعو الأطر العالمية مثل "الصفقة الكبرى 2.0" إلى هذا التحول تحديداً، من خلال حث المانحين والوكالات على منح الأولوية للحلول المستدامة والمبنية على الجهود المحلية.
قد يتطلب هذا النهج تخطيطاً أكثر شمولاً، ورؤية أكثر عمقاً، ومستوى من الاستعداد الذي يتجاوز قدرة الأنظمة الحالية على استيعابه. لكنّه رؤية تستحق السعي إلى تحقيقها، واستراتيجية تقدم أكثر من مجرد معالجة الأعراض. إنها تعزز القدرة على الصمود.
ربما يكمن مستقبل الربط بين العمل الإنساني والتنمية في اتخاذ إجراءات مدروسة واستباقية لا تقتصر على الاستجابة للأزمات فحسب، بل تبني أيضاً الأسس للتعافي والنمو. حان الوقت للتوقف عن اعتبار الإغاثة الإنسانية والتنمية مسارين منفصلين. بدلاً من ذلك، دعونا نعيد تصورها كقوى متصلة ومتكاملة تعمل نحو هدف مشترك: عالم حيث لا تنقذ المساعدات الأرواح فحسب، بل تمكّن المجتمعات، وتعزز الاقتصادات المحلية، وفي النهاية تقلل الحاجة إلى المساعدات تماماً.