أصداء العمل الإنساني
أصداء العمل الإنساني
Back to Blog

تنمية روح العطاء في الأطفال

ياسمين صائب في ٠٢ مارس، ٢٠١٤

بينما كنت أتسوّق في أحد مراكز التسوّق الكثيرة في دبي مع ابني موخراً، جذبت انتباهي لافتات عروض "العودة إلى المدرسة" المنتشرة في كل مكان. فمن القرطاسية إلى السلع الرياضية والثياب والألعاب والحلويات والألعاب الإلكترونية، تجذب المحلات الأطفال والأهالي لشراء المزيد والمزيد تحضيراً للعام المدرسي الجديد.

وبصفتي أماً لولد يستعدّ للعودة إلى المدرسة، بهرتني كل تلك الصفقات التي تحثّ المستهلكين على الشراء. فشعرت بأنه في حال تجاهلت كل تلك الصفقات المغرية ولم أشترِ كل المنتجات اللازمة أكون أماً مستهترة أهدّد مستقبل ابني التعليمي. ثمّ رحت أفكّر في 8 ملايين طفل حول العالم نحاول نحن في دبي العطاء مساعدتهم من خلال حملاتنا. وفكّرت أنّ معظم هؤلاء الأطفال، إن لم يكن كلّهم، لن يملكوا يوماً تلك المنتجات "الضرورية" للعودة إلى المدرسة. وذكّرت نفسي أن "التعلّم" فعلاً لا يعتمد على توافر تلك المنتجات أبداً، فالأطفال مثلاً لا يحتاجون إلى حقيبة ظهر عليها رسم بطل خارق لكي يتعلّموا، ولا إلى جهاز "آي باد" ليقوموا بالتمارين الأبجدية العددية، ولا داعي لأن يتناولوا رقائق البطاطا والشوكولاتة كل يوم على الغداء.

ولكن عند السير في ممرات هذه المراكز التجارية، لاحظت أنّ المنتجات مسوّقة بطريقة ذكية جديدة، فحتّى لو كنّا نحن الأهالي أذكياء بما يكفي كي لا تغرينا العروض، من الطبيعي أن تشدّ أطفالَنا بعقولهم البريئة التي يسهل استمالتها. بالتالي، يبقى أمام الأهالي خياران، إمّا عدم الشراء والتعامل مع نوبات الغضب التي ستتبع، أو شراء تلك المنتجات وتحمّل الشعور بالذنب بعد هدر الأموال على مشتريات قد تكون تافهة، وبالتأكيد أن أياً من الخيارين لن يؤثّر إيجاباً على تعلّم الطفل.

وما دام ابني لا يختلف عن غيره من الأطفال، دلّ بإصبعه على حقيبة ظهر تحمل رسم البطل الخارق "الرجل الأخضر" (Hulk)، لأشتريها له، من دون أن يتنبّه أنّ لديه حقيبة ظهر جديدة عليها رسم "الرجل الحديدي" في البيت. فقرّرت في تلك اللحظة أن أجرّب خياراً ثالثاً. فنظرت إلى ابني وقلت له: "أتعرف حبيبي، حول العالم ملايين الأطفال الذين لا يملكون حقائب للمدرسة لأنّهم فقراء جداً. وأنت لديك حقيبة جميلة جداً في المنزل، لذا عوضاً عن شراء حقيبة أخرى، ما رأيك في أن أعطيك المال لتساعد طفلاً آخر مثلك على شراء حقيبة هو في أمسّ الحاجة إليها، فتكون بذلك بطلاً خارقاً فعلاً؟"

ظهرت على وجهي ملامح القلق، وبدأت أعاين ردّ فعل ابني، إذ تمهّل وفكّر، وجاوب أخيراً قائلاً: "أمّي، هل أشتري له حقيبة تحمل رسم الرجل الأخضر أو الرجل الحديدي أو الرجل الوطواط؟" تسارعت دقات قلبي عند سماع جوابه، فشعرت بسعادة غامرة واقترحت عليه وضع المال داخل صندوق التبرعات لكي يختار الطفل الحقيبة التي تحلو له.

ونظراً إلى أهميّة "تجربة العطاء"، أعطيت ابني النقود ليضعها في أحد صناديق التبرّع في المجمّع التجاري. واستغرقت عملية وضع المال نحو 5 دقائق، لكن المتعة التي اكتسبها من هذه التجربة كانت مجزية أكثر من مشاهدته وأنا أشتري له حقيبة "الرجل الأخضر" الجديدة. وفور الانتهاء، عانقته وقلت له: "لقد أسعدت طفلاً بحاجة إلى حقيبة، أنت البطل الخارق المفضّل لأمّك"!

مغزى القصة: للأطفال ضمير، شأنهم شأن الكبار. ويقع على عاتق الأهل أن ينمّوا روح الإحسان في سنّ مبكرة. وتكمن القصة كلها في كيفية مناقشة الأمر معهم، فلا بدّ من تبسيط الأمر وجعله قريباً منهم، والأهمّ من ذلك إشراكهم في عملية العطاء لكي يشعروا بأنّهم مرتبطون بالنتيجة. فلندعهم إذاً يستمتعون بالقيام بأمر رائع للغير، لأنّ جميع البشر يشعرون بسعادة كبيرة عند مساعدة الغير، والأطفال ليسوا باستثناء.

إذاً، في رحلة التسوّق المقبلة مع العائلة، عندما تشدّ حيل التسويق الكثيرة أطفالكم، حاولوا اقتناص الفرصة. ازرعوا فكرة الإحسان فيهم وشاهدوا كيف تساعدهم على أن ينموا أفراداً مسؤولين ومتعاطفين في الكبر. وتأكّدوا أنّ هذه التجربة الأثمن "للعودة إلى المدرسة" التي يمكن إهداؤها إلى طفلكم.

ياسمين صائب ياسمين صائب
تتمتع ياسمين بـ 19 عاما من الخبرة في مجال الإدارة غير الربحية وتنمية المشاريع الاجتماعية ووسائل البث والاتصالات والتسويق. تعمل ياسمين من خلال منصبها الحالي على تطوير شراكات استراتيجية مع منظمات القطاع العام والخاص لتنفيذ مبادرات جديدة لجمع التبرعات المقيدة وغير المقيدة لصالح دبي العطاء. تحمل ياسمين شهادة دراسات عليا في مجال التكنولوجيا لأغراض التنمية الدولية من جامعة ولاية كارولينا الشمالية وعلى درجة البكالوريوس في الآداب في العلوم السياسية من جامعة كارولينا الجنوبية. وهي حاصلة أيضا على درجة الماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، وتخصص في الفلسفة الإسلامية والتصوف.
comments powered by Disqus Back to Blog